الراغب الأصفهاني
318
الذريعة إلى مكارم الشريعة
العفة العفة لا تتعلق إلا بالقوة الشهوية ولا تتعلق من القوة الشهوية « 1 » إلا بالملاذ الحيوانية ، وهي المتعلقة بالغارين وهما البطن والفرج دون الألوان الحسنة والألحان الطيبة والأشكال المنتظمة . فإن قيل فاستطابة الرائحة قد يكون للبهائم ألا ترى أن الذئب قد يستطيب ريح الغنم والكلب يستطيب رائحة الأرنب ؟ قيل إن استطابتهما لذلك استطابة للأكل والذي قلنا من الرائحة هو ما يستطاب لذاته لا لغيره ، وما هو لأجل أحد الغارين فحكمه حكمها كاستطابة الإنسان ريح السكباج « 2 » ، فثبت أن العفة هي ضبط النفس عن الملاذ الحيوانية وهي حالة متوسطة بين إفراط هو الشره وتفريط هو جمود الشهوة ، وهي أس الفضائل من القناعة والعفة والزهد وغنى النفس والسخاء وعدمها يعفي على جميع المحاسن ويعري من لبوس المحامد ، ومن اتسم بسمة العفة قامت العفة له بحجة ما سواها من الفضائل وسهلت له سبيل الوصول إلى المحاسن ، وأسها يتعلق بضبط القلب عن التطلع للشهوات البدنية وعن اعتقاد ما يكون جالبا للبغي والعدوان وتمامها يتعلق بحفظ الجوارح ، فمن عدم عفة القلب يكون منه التمنيّ وسوء الظن اللذان هما أس كل رذيلة لأن من تمنى ما في يد غيره حسده وإذا حسده عاداه ، وإذا عاداه نازعه وإذا نازعه ربما قتله . ومن أساء الظن عادى وبغى وتعدى ولذلك نهى اللّه سبحانه عنهما جميعا فقال : وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ « 3 »
--> ( 1 ) « ولا تتعلق من القوة الشهوية إلا بالملاذ » سقطت من ط ، والذي فيه ط فيه اضطراب لأن نص ط « لا بالملاذ الحيوانية » وهو يضاد المعنى المراد كما وضح من الكلام التالي لذلك . ( 2 ) السكباج : هو الخبز المقلي بالخل . تاج العروس / سكبج . ( 3 ) النساء / 32 .